رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب: بين التصوف والسيف.. كيف حكم المماليك مصر؟

لم يكن المماليك مجرد حكام مروا على مصر في مرحلة مضطربة من التاريخ، بل كانوا ظاهرة كاملة؛ حالة سياسية ونفسية صنعت عصرا ما زالت روحه عالقة في القاهرة حتى اليوم.

يكفي أن تسير في شارع قديم، أو ترفع عينيك نحو مئذنة مملوكية حادة الملامح، حتى تشعر أن هذا العصر لم ينته تماما، بل ترك أثره في الحجر والذاكرة وطريقة تشكل السلطة نفسها.

أخبار متعلقة

جاء المماليك من خارج المجتمع، غرباء في الأصل، لكنهم فهموا مبكرا أن الحكم لا يستقر بالقوة وحدها، وأن السيف مهما بلغ بطشه لا يكفي لصناعة دولة تخشى السقوط كل ليلة.

لذلك، لم يحكموا مصر بالسيف فقط… بل حكموها أيضا بالهيبة.. والهيبة في العصر المملوكي لم تكن كلمة عابرة، بل بناء كاملا تشارك فيه الجيش، والدين، والعمارة، والاحتفالات، وحتى التصوف.

كان السلطان يظهر في موكبه محاطا بالأمراء والخيول والرايات، كأن السلطة عرض دائم لإثبات الوجود، بينما كانت القاهرة في الوقت نفسه تمتلئ بالخَوانق والزوايا والمتصوفة وأصوات الذكر التي تتسلل إلى الليل.

وفي الظاهر، يبدو المشهد متناقضا:

كيف لعصر يمتلئ بالانقلابات والاغتيالات والصراعات الدموية أن يكون أيضا عصرا للروحانية والتصوف؟

لكن الحقيقة أن هذا التناقض نفسه هو ما صنع طبيعة الدولة المملوكية.. فالمماليك، رغم قوتهم العسكرية، كانوا يدركون هشاشة السلطة.

السلطان الذي يجلس اليوم على العرش، قد يُقتل غدا على يد أقرب رجاله. والأمير الذي يقود الجيش، قد يصبح سلطانا في لحظة لا يتوقعها أحد

الخوف لم يكن طارئا على الحكم… بل كان جزءا من بنيته نفسها، يسري فيه كأنه قانون غير مكتوب يحكم الجميع بلا استثناء.

ولهذا، احتاجت السلطة إلى ما يمنحها معنى الاستقرار وسط عالم متحرك وعنيف. وهنا لم يكن التصوف مجرد تدين شعبي، بل مساحة روحية تمنح المجتمع توازنا داخليا في زمن القلق.

في العصر المملوكي، لم تكن القاهرة مدينة عسكرية فقط، بل مدينة تبحث عن المعنى أيضا.

وفي بعض الليالي، كانت القاهرة تبدو أثقل مما ينبغي؛ الأزقة ضيقة، والهواء رطب، ورائحة الطين القديم تختلط بدخان المصابيح المعلقة على الجدران.

وربما، في ليلة مملوكية ثقيلة، كان أمير عائد من القلعة يمر في طرقات القاهرة الضيقة، يحمل في داخله خوفا لا يُقال؛ خوف السلطان الذي يعرف أن السلطة قد تنقلب في لحظة، وأن القرب من العرش لا يعني الأمان.

وعلى بُعد خطوات، كانت زاوية صوفية صغيرة تضيء بصمت، يجلس فيها درويش مجهول يردد أوراده بهدوء، كأن العالم الخارجي بكل صراعاته لا يعنيه.

في مدينة كهذه، كان السيف حاضرا في يد، والطمأنينة تُبحث عنها بيد أخرى… ولا تلتقي اليدان إلا نادرا .

ومن المفارقات اللافتة أن العصر الذي امتلأ بالسيوف، ترك وراءه واحدة من أكثر الفترات المعمارية جمالا في تاريخ مصر.

بنى المماليك مساجد ومدارس وأسبلة وقبابا لم تكن مجرد مبان، بل كانت إعلانا عن حضور يريد أن يتجاوز الزمن، وأن يترك أثرا بعد الغياب.

كأنهم كانوا يعرفون، في أعماقهم، أن السلطة زائلة، وأن ما يبقى في النهاية هو ما يُنقش في الحجر والذاكرة.

وربما لهذا يبدو عصر المماليك مختلفا حتى اليوم.

ليس لأنه كان عصرا مثاليا، فهو لم يكن كذلك أبدا، بل لأنه كان عصرا حيا، ممتلئا بالتناقضات الإنسانية:

القوة والخوف، الزهد والترف، الدم والتصوف، المؤامرة والجمال.

ولهذا، لم يبقَ المماليك في كتب التاريخ فقط، بل ظلوا جزءا من خيال القاهرة نفسها؛ مدينة عرفت يوما معنى الهيبة بكل ما تحمله الكلمة من قسوة وجمال في آنٍ واحد.

وكأن القاهرة، رغم تغير العصور، ما زالت تتذكر كيف كانت الهيبة تُصنع… وكيف كانت تسقط أيضا.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email