رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب: “سلفية سياسية.. حين تتحول الناصرية إلى نوستالجيا”

في السياسة، لا تموت الأفكار.. لكنها أحيانا تتوقف عن التفكير.. في كل مرة يُطرح فيها سؤال جديد، نسمع الإجابة القديمة نفسها، تُقال بثقة، كأنها خارج الزمن. لا باعتبارها تجربة تُفهم، بل كأنها حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة.

في إحدى الندوات، لم يكن السؤال معقدا: كيف نواجه واقعا اقتصاديا وسياسيا مختلفا جذريا عما كان قبل عقود؟

أخبار متعلقة

رفع أحد الحضور يده، شاب في أواخر العشرينات، وسأل بهدوء: “طيب… وإزاي نطبق ده النهارده؟ في اقتصاد مفتوح، وعالم متغير، وشبكات مصالح مختلفة تمامًا عن الستينات؟”

ساد صمت قصير… ثم جاء الرد سريعًا، حاسمًا:

“نرجع لتجربة عبد الناصر… هي الحل.”

لم يكن الرد مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا.

ليس لأن تجربة جمال عبد الناصر لا تستحق الدراسة أو التقدير، ولكن لأن استدعاءها جاء كإجابة جاهزة، لا كنقطة بداية للتفكير.

هنا تحديدًا، تبدأ الحكاية.

فبينما نشأت الناصرية في الأصل كمشروع تحرري يسعى لكسر أنماط قديمة وبناء واقع جديد، يبدو أن بعض من يتبنونها اليوم قد وقعوا – دون أن ينتبهوا – في النمط نفسه الذي حاربته:

نمط استدعاء الماضي بوصفه نموذجًا مكتملًا، لا تجربة قابلة للنقد والتطوير.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن الماضي… بل عن طريقة التعامل معه.

هل نحن أمام تيار سياسي يستلهم تجربة تاريخية، أم أمام حالة من التماهي الكامل معها؟

وهل الفارق بين “الاستلهام” و“التقديس” واضح لدى الجميع؟

الناصرية، في أصلها، لم تكن يومًا دعوة للجمود، بل لحظة تمرد على واقع قائم، ومحاولة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق معطيات عصرها.

لكن ما يبدو لافتًا اليوم، أن بعض من يرفعون هذا الإرث، يتعاملون معه باعتباره صيغة نهائية، لا تقبل المراجعة، ولا تحتاج إلى تطوير.

وهنا تحديدًا تظهر المفارقة.

فكما تقوم السلفية – في تعريفها الأوسع – على استدعاء نموذج سابق بوصفه المثال الكامل الذي يجب استعادته، يتكرر النمط ذاته في سياق سياسي/قومي، حيث تتحول تجربة جمال عبد الناصر من تجربة تاريخية قابلة للنقد، إلى مرجعية شبه ثابتة يُقاس عليها كل شيء.

المشكلة ليست في استدعاء عبدالناصر بل فى تحويله من تجربة تُناقش إلى نموذج يُتلى

في كثير من النقاشات العامة اليوم، لا يُطرح سؤال “كيف نطور الفكرة؟”، بل “كيف نعيدها كما كانت؟”.

وهنا لا يعود الماضي مصدر إلهام… بل يتحول إلى بديل سهل عن التفكير.

المشكلة لا تكمن في التقدير… بل في غياب المسافة النقدية.

لأن أي تجربة، مهما بلغت من النجاح أو التأثير، تظل ابنة سياقها:

سياق دولي مختلف، توازنات قوى مغايرة، وأدوات اقتصادية وسياسية لم تعد هي نفسها.

العالم الذي أنتج الناصرية لم يعد قائمًا،

ومصر التي خاضت معارك الخمسينات والستينات، ليست هي مصر اليوم.

من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

هل يمكن إعادة إنتاج نفس السياسات في واقع تغيّرت فيه قواعد اللعبة بالكامل؟

أم أن الإصرار على ذلك يعكس أزمة في الخيال السياسي أكثر مما يعكس وفاءً للتجربة؟

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من التفكير قد يحوّل الناصرية من مشروع قابل للتجديد، إلى حالة “نوستالجيا سياسية”، تُستخدم فيها الشعارات الكبرى كبديل عن طرح أسئلة جديدة.

وفي هذه الحالة، لا يعود الماضي مصدر إلهام… بل يتحول إلى عبء.

في لحظة ما، كانت الناصرية تعني كسر القيود.

فهل يعقل أن تتحول، في بعض صورها، إلى قيد جديد؟

الرهان الحقيقي اليوم، ليس على استعادة الماضي، بل على فهمه.

وليس على تكرار التجارب، بل على تطويرها.

الأفكار التي لا تتجدد… لا تموت فجأة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى نسخة مما كانت تعلن أنها جاءت لتجاوزه.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email