رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب : حين تصبح الإجراءات اهم من النتائج

في الدور الثالث من مبنى حكومي قديم، وقفت سيدة خمسينية تحمل أوراقها بين يديها وكأنها تحمل عمرا كاملا من الانتظار لم تكن هذه زيارتها الأولى… ولا الثانية… لكنها كانت المرة التي اكتشفت فيها أن كل ما ينقصها ليس سوى “ختم”.

ختم واحد فقط… يفصل بينها وبين حقها.

أخبار متعلقة

لم يكن الموظف غاضبا، ولم يرفع صوته، ولم يطلب شيئا خارج اللوائح على العكس، كان يؤدي عمله بهدوء، وفق القواعد المنظمة أشار إلى ورقة، ثم إلى مكتب آخر، حيث يجب استكمال “الإجراء”.

كل شيء كان يسير بشكل طبيعي… أكثر مما ينبغي.

هنا،لا أحد يخطئ… لكن لا شيء يُنجز.

وهنا تحديدًا، تتجاوز المسألة حدود حالة فردية، لتطرح تساؤلا أوسع حول كفاءة النظم التي تُدار بدقة، لكنها لا تُنتج النتيجة ذاتها بنفس الكفاءة.

هذه ليست حكاية استثنائية، بل مشهد يتكرر بصور مختلفة، حيث تتحول البيروقراطية من أداة لتنظيم العمل إلى منظومة من الإجراءات التي، رغم أهميتها، قد تتراكم أحيانًا بشكل يؤثر على سرعة الإنجاز.

 

في أصلها، قامت البيروقراطية على مبادئ لا يمكن الاستغناء عنها: التنظيم، الحياد، وتطبيق القواعد على الجميع. وهي ركائز ضرورية لأي دولة تسعى إلى تحقيق العدالة والاستقرار. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود القواعد، بل في كيفية توظيفها لخدمة الهدف.

فحين تصبح القاعدة هي الغاية، يتراجع الهدف خطوة إلى الخلف.

لا يعود السؤال: هل تم إنجاز المصلحة؟

بل: هل استُوفيت الإجراءات؟

وبين السؤالين، تتحدد كفاءة الإدارة.

المفارقة أن هذا النمط لا يرتبط دائمًا بسوء النية، بل قد يكون انعكاسًا لحرص على الالتزام، أو تجنبًا للمساءلة. فالموظف الذي يلتزم بالنص يضمن لنفسه الأمان، حتى لو جاء ذلك على حساب السرعة، بينما يظل الاجتهاد خارج الإطار محفوفًا بالمخاطر.

وهنا تظهر معادلة تحتاج إلى إعادة نظر:

نظام يُكافئ الالتزام… لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى تعزيز ثقافة الإنجاز.

مع مرور الوقت، قد تتحول بعض الإجراءات من أدوات لضبط العمل إلى عبء على كفاءته، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها لم تُراجع بما يتناسب مع متغيرات الواقع.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تجاوز القواعد، بل إلى تطويرها، بحيث تظل وسيلة لتحقيق الغاية، لا عائقًا أمامها.

عادت السيدة إلى منزلها في نهاية اليوم، تحمل أوراقها كما جاءت بها. لم تُرفض… لكنها لم تُنجز أيضا.

وبين الرفض الصريح والتأجيل غير المقصود، مساحة واسعة تحتاج إلى معالجة، ليس فقط لتيسير الإجراءات، بل لتعزيز ثقة المواطن في كفاءة النظام.

وربما، في هذه المساحة تحديدا ، يكمن التحدي الحقيقي:

كيف نُبقي على انضباط الدولة… دون أن نفقد مرونتها؟

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email