الميديا لم تدمّر الزواج… لكننا وجدنا فيها شماعة مريحة
في بيت هادئ، جلس زوجان على الأريكة نفسها. . لا خلاف، لا صوت مرتفع .. فقط صمت.
هي تنظر إلى هاتفها وتبتسم.. وهو يقلب في هاتفه بلا اهتمام.. ساعة كاملة مرّت…
لم يتبادلا فيها جملة واحدة.. قبل سنوات، كانا يتحدثان لساعات.. اليوم… لا يجدان ما يقولانه.
المشكلة لم تبدأ بخيانة و لا بخلاف كبير بل بدأت بصمت صغير .. كبر .. حتى أصبح فجوة
و لاحقًا، سيقولان ببساطة: “لم نعد نتفاهم”.. و هنا قد تبدأ أفكار الإنفصال، و كلما ارتفعت نسب الطلاق، نكرر الجملة نفسها: “السوشيال ميديا هي السبب”.
لكن الحقيقة أقل راحة بكثير.. الميديا لم تدخل بيوتنا بالقوة،نحن من أدخلناها…
ثم خرجنا من العلاقة بهدوء..
و المولى عز و جل قالفي محكم آياته :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾سورة الرعد – 11
المشكلة لا تبدأ من الهاتف .. بل من الإنسان الذي يحمله.. و الميديا لا تصنع أزمة من لا شيء.
هي فقط تكشف ما نحاول تجاهله.. تكشف: علاقة بلا حوار و بيت فيه فراغ عاطفي و زوجين يعيشان معًا دون أن يلتقيا..
وكثيراً ما نرى على شاشات التلفز أو السينما حياة مثالية .. رحلات، هدايا، كلمات حب.. مرح .. إمكانيات مادية .. ولا نرى التعب و الضغوط و الأيام العادية ..فنقارن حياتنا الحقيقية .. بلقطة منتقاة بعناية.. بل لقطة لا تعكس الواقع الحقيقي الذي نعيشه
وهنا يبدأ الشعور الخفي “أنا أستحق أكثر” لدي البعض الذين نطلق عليهم سريعو التأثر و هؤلاء يتبنون الأفكار و السلوكيات بسهولة دون تمحيص و يتأثرون بالإعلانات و العلاقات المعروضة و أنماط الحياة .. و تسحبهم أفكار قد تدمر حياتهم ..
و هناك المتلقون السلبيون و هؤلاء لا يناقشون و لا يحللون فقط يشاهدون و يتشربون الرسائل كما هي و هذا أخطر وصف لأن التأثير هنا غير واعٍ ..
و هناك المنساقون خلف الميديا و هؤلاء نجد قراراتهم و قناعتهم و حتى توقعاتهم عن الحياة تُشكل من خلال ما يرونه ..
و هناك ضحايا المقارنة الاجتماعية المستمرة فتجدهم يقارنون زواجهم بما يروه في المسلسلات و يقارنون دخولهم بما يراه على السوشيال ميديا و يقرنون حياتهم العادية بحياة مفبركة، والعامل المشترك في كل ما سبق أو النتيجة النهائية التي ترسخ في أذهانهم “أنا أستحق أكثر”..
و من هنا تبدأ أفكار الإنفصال ..
و من جانب آخر فإن تكرار مشاهد الانفصال عبر الميديا يقلل من ثقله ومع التكرار، يفقد الطلاق هيبته.. و بعد أن كان قرارًا ثقيلًا…أصبح خيارًا سريعًا.. رغم أن النبي صل الله عليه و سلم قال:
“أبغض الحلال إلى الله الطلاق” ليس لأنه ممنوع، بل لأنه يجب أن يكون آخر الحلول… لا أولها.
الأخطر من كل ذلك؟ أن الحوار بدأ يختفي .. يجلس الزوجان في مكان واحد، لكن كل منهما في عالم مختلف. والحقيقة المؤلمة أن العلاقات لا تموت بسبب الخلاف…بل تموت عندما يتوقف الكلام.
ومع الوقت لم تعد المشاكل تُحل داخل البيت .. بل تُنشر.. كل خلاف يتحول إلى رأي عام،
وكل تعليق يزيد النار اشتعالًا .
لكن دعنا نسأل السؤال الذي يهرب منه الجميع.. لو اختفت السوشيال ميديا غدًا…
هل ستختفي الأنانية؟ هل سيصبح الناس أفضل في الحوار؟ هل ستختفي الضغوط؟
الإجابة واضحة..المشكلة ليست في الميديا .. المشكلة في طريقة استخدامها…
وفي علاقتنا التي أصبحت أضعف مما ينبغي.
الحل ليس أن نغلق الهاتف .. بل أن نعيد فتح ما أغلقناه بيننا .. أن نتحدث .. أن نستمع.
أن نعطي العلاقة وقتها .. أن نتذكر أن الزواج ليس صورة .. بل مسؤولية.
كما قال النبي صل الله عليه و سلم “خيركم خيركم لأهله”
في النهاية.. الميديا لم تدمّر الزواج.هي فقط كشفت شيئًا مهمًا .. أن بعض العلاقات كانت أضعف مما كنا نعتقد.
والسؤال الحقيقي ليس .. ماذا فعلت بنا الميديا؟ بل .. ماذا فعلنا نحن… بعلاقاتنا؟