رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

محسن طاحون يكتب: الـوعــد…

الكلمة مسئولية، والوعد دين، والثقة هي الثمن الذي ندفعه عندما لا نفي بما نقول، و بين كلمة تُقال ووعدٍ يُنفَّذ تُبنى الثقة أو تنهار

كم مرة وعد أبٌ أبناءه بالخروج معهم في نزهة ثم شغلته الحياة فنسي؟ وكم مرة وعد صديقٌ صديقه بالمساعدة ثم حالت الظروف بينهما؟ وكم من مسؤولٍ قطع على نفسه عهدًا أمام الناس ثم لم يفِ به؟

أخبار متعلقة

قد تبدو الوعود كلمات عابرة تُقال في لحظة، لكن الحقيقة أن بعض الكلمات قد تبني جسورًا من الثقة تمتد لسنوات، وقد تهدمها في لحظة واحدة.

والوعد هو التزام أخلاقي يقطعه الإنسان على نفسه تجاه غيره، يتعهد فيه بفعل أمرٍ معين أو الامتناع عنه. ومنذ القدم، عُدَّ الوفاء بالوعد من أرفع الصفات الإنسانية وأشرف الخصال التي يتحلى بها الرجال والنساء على حد سواء.

فالإنسان حين يفي بوعده يمنح الآخرين شعورًا بالأمان والطمأنينة، ويؤكد لهم أنه شخص يمكن الاعتماد عليه والثقة بكلمته. أما عندما يخلف وعده دون عذر معتبر، فإنه لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل قد يخسر ثقةً استغرق بناؤها سنوات طويلة.

والناس قد ينسون كثيرًا من المواقف، لكنهم نادرًا ما ينسون من وعدهم ثم خذلهم. فالكلمة الصادقة تترك أثرًا جميلًا في النفوس، كما أن الكلمة التي لا يتبعها فعل تترك جرحًا قد لا يُرى بالعين، لكنه يبقى حاضرًا في الذاكرة.

ولعل أول من يتأثر بإخلاف الوعد هم الأبناء. فالطفل لا يقيس الأمور بقيمتها المادية، بل بقيمة الشخص الذي وعده. وقد ينسى اللعبة أو الهدية التي انتظرها، لكنه لا ينسى شعور خيبة الأمل عندما يكتشف أن الكلمات التي سمعها لم تكن صادقة. ومن هنا تبدأ أولى دروس الثقة أو فقدانها في حياة الإنسان.

إن الوفاء بالوعد ليس مجرد سلوك اجتماعي محمود، بل هو أساس من أسس استقرار العلاقات الإنسانية. فالثقة بين الأزواج، وبين الآباء والأبناء، وبين الأصدقاء، وحتى بين الموظفين والمؤسسات، تقوم في جزء كبير منها على احترام الكلمة والالتزام بها.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يتريث قبل أن يطلق الوعود. فليس مطلوبًا منه أن يعد الجميع بكل شيء، وإنما المطلوب أن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين. وإذا لم يكن قادرًا على تنفيذ أمرٍ ما، فليكن واضحًا منذ البداية، فقول “لا أستطيع” أهون بكثير من وعدٍ لا يتحقق.

ولا شك أن الظروف قد تتغير أحيانًا. فقد يمنع المرض، أو ضيق الحال، أو وقوع حادث طارئ من تنفيذ الوعد. وهنا لا يُلام الإنسان إذا بادر إلى الاعتذار والتوضيح، لأن المشكلة ليست في العجز الطارئ، وإنما في الاستهانة بالوعود وعدم الاكتراث بمشاعر الآخرين.

وفي بيئات العمل على وجه الخصوص، تزداد أهمية توثيق الالتزامات والوعود وتحديد تفاصيلها ومواعيد تنفيذها، حتى تكون الأمور واضحة لجميع الأطراف، وتجنبًا لسوء الفهم أو النسيان أو تضارب التوقعات.

ويتعين علينا أيضًا ألا نستهين بالوعود الصغيرة، فالشخص الذي يلتزم بأبسط وعوده يثبت أنه أهل للثقة، ومن يحترم كلمته في الأمور الصغيرة يستطيع أن يحمل مسؤولية الوعود الكبيرة. أما من اعتاد التهاون في اليسير، فغالبًا ما يتهاون في الكثير.

إن تنفيذ الوعد قد يتطلب أحيانًا تضحية أو جهدًا أو صبرًا أو مثابرة، لكن ثمن الوفاء يظل أقل بكثير من ثمن فقدان الثقة. فالمال يمكن تعويضه، والوقت يمكن استدراكه، أما الثقة إذا ضاعت فإعادتها قد تحتاج إلى سنوات طويلة.

وقد أمرنا الله تعالى بالوفاء بالعهد والالتزام بالعقود، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وهذا الأمر الإلهي يشمل كل صور الالتزام، سواء كانت بين العبد وربه، أو بين الإنسان ووالديه وأقاربه، أو بينه وبين أصدقائه وشركائه، أو بينه وبين الناس كافة في مختلف المعاملات والعلاقات.

لقد أدرك الحكماء منذ القدم قيمة الكلمة، فقالوا إن الرجل قد يُعرف بماله أو منصبه أو علمه، لكنه لا يُقاس حقًا إلا بمدى احترامه لوعده ووفائه بعهده.

وصدق الشاعر حين قال:

وفاءُ العهدِ من شِيَمِ الكرامِ

ونقضُ العهدِ من شِيَمِ اللئامِ

وليسَ العهدُ ما ترعاهُ يومًا

ولكن ما رعيتَ على الدوامِ

وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تتغير: إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى قبل ذلك بالثقة. والثقة لا تصنعها الكلمات الجميلة ولا الوعود الكثيرة، وإنما يصنعها تطابق القول مع الفعل. فالوعد كلمة قد لا تستغرق ثواني في نطقها، لكنها قد تبني علاقة تدوم سنوات، أو تهدمها في لحظة.

لذلك لا تعد إلا بما تستطيع الوفاء به،

فإن الكلمة أمانة، والأمانة دين في أعناق الشرفاء.

 

بقلم: محسن إبراهيم طاحون 

عميد الجالية بشرق السعودية

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email