رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم: بعيدا عن الوطن.. أقرب إلى الحافة

في الخارج.. لا تسقط المرأة فجأة، هي تسقط على مهل.

بعيد عن العائلة، وبعيدا عن دوائر الدعم التقليدية، تصبح الحياة أكثر هدوءا في ظاهرها.. وأكثر قسوة في تفاصيلها.

أخبار متعلقة

المصرية في الخارج لا تعيش فقط تجربة اغتراب جغرافي، بل تدخل دون أن تدري في اختبار نفسي واجتماعي ممتد:

كيف تحافظ على توازنها.. في بيئة لا تشبهها،

ومجتمع لا يعرف قصتها، ودوائر دعم محدودة أو مشروطة؟

المشكلة لا تبدأ عند لحظة الانهيار .. بل قبلها بكثير.

تبدأ حين تضطر أن تبدو “بخير” طوال الوقت،

لأن الشكوى تُفسر ضعفا، والاعتراف بالضغط قد يُستخدم ضدها، سواء داخل علاقة شخصية… أو حتى داخل دوائر الجالية نفسها.

وتتضاعف الأزمة حين تدخل المرأة في علاقة غير مستقرة: زواج متوتر، انفصال، أو ارتباط غير متكافئ.

هنا… لا تكون الخسارة عاطفية فقط،

بل اجتماعية وقانونية ونفسية في آن واحد.

في مصر، مهما كان الضغط، هناك دائما “بيت يمكن الرجوع إليه.. أم، أخت، صديقة، جارة.

أما في الخارج.. فالفراغ أكبر، والسقوط أهدأ… لكنه أعمق.

المفارقة المؤلمة: أن بعض الجاليات المصرية في الخارج، بدل أن تكون مساحة أمان، تتحول أحيانا إلى نسخة مصغرة من نفس الأحكام القاسية التي هربنا منها.

نفس الأسئلة:

لماذا انفصلت؟

من المخطئ؟

هل كانت على قدر المسئولية؟

لكن بدون أي استعداد حقيقي للاحتواء.

نُعيد إنتاج القسوة… في بيئة لا تحتملها اصلا.

المشكلة إذن ليست فقط في “الاغتراب”…

بل في غياب منظومة حماية حقيقية للمصريات في الخارج.

لا توجد شبكات دعم منظمة، ولا آليات تدخل سريعة،

ولا حتى وعي كافٍ بكيفية التعامل مع الأزمات النفسية الحادة.

وفي زمن اللايفات والبث المباشر، قد تتحول لحظة الانهيار إلى مشهد عام.. بينما تظل لحظة الإنقاذ غائبة.

قد يقول البعض إن هناك بالفعل مبادرات تُبذل،

وأن جهات رسمية ومجتمعية تتحرك من حين لآخر لدعم المصريات في الخارج…

وهذا صحيح جزئيا .

لكن المشكلة لم تعد في غياب المحاولات.. بل في حدود تأثيرها.

كثير من هذه المبادرات لا يصل إلى من تحتاجه فعلا ،

ولا يُبنى على استمرارية،ولا يوفر مساحة آمنة تضمن السرية والحماية.

فتظل أقرب إلى فعاليات موسمية…

أو منصات للحديث عن الأزمة،

لا أدوات حقيقية للتدخل فيها.

والنتيجة أن المرأة التي تقف على الحافة،

نادراً ما تكون ضمن دوائر هذه المبادرات،

ولا تجد فيها ملاذًا حين تحتاجه في اللحظة الحاسمة.

المطلوب إذن ليس إنكار ما يُبذل…

بل تطويره.

ليس الدفاع عن الجهود…

بل اختبار أثرها الحقيقي.

لأن الفارق بين مبادرة تُعلن…

وشبكة تُنقذ…

قد يكون حياة إنسان.

الحلول هنا لا يجب أن تكون عاطفية…

بل عملية وصريحة:

أولًا:

إنشاء شبكات دعم حقيقية داخل الجاليات المصرية،

ليست مجرد تجمعات اجتماعية…

بل كيانات لها دور واضح في الاحتواء والتدخل وقت الأزمات.

ثانيًا:

دور أكثر فاعلية للسفارات والقنصليات،

ليس فقط في الأوراق الرسمية،

بل في تقديم دعم نفسي وقانوني للحالات الحرجة،

خصوصا للنساء في أوضاع هشة.

ثالثًا:

إطلاق منصات تواصل آمنة وسرية،

تستطيع المرأة من خلالها طلب المساعدة دون خوف من الفضيحة أو الحكم المسبق.

رابعًا:

تغيير الخطاب داخل الجاليات نفسها:

من ثقافة “المحاسبة” إلى ثقافة “الاحتواء”.

من السؤال: “مين غلطان؟”

إلى السؤال الأهم: “نساعد إزاي؟”

خامسًا:

رفع الوعي بالصحة النفسية،

والتعامل مع طلب الدعم باعتباره قوة… لا ضعف.

الأهم من كل ذلك…

أن ندرك أن ما يحدث ليس حوادث فردية.

بل نمط يتكرر…

في صمت.

 

وأن المرأة التي تبدو قوية في الخارج،

قد تكون في الحقيقة…

تقاوم وحدها أكثر مما نتصور.

لسنا بحاجة إلى مزيد من التعاطف بعد السقوط…

بل إلى شجاعة التدخل قبله.

لسنا بحاجة إلى مراثٍ جديدة…

بل إلى مسؤولية حقيقية.

المشكلة ليست في أن هناك من يتكلم…

بل في أن من يحتاج… لا يجد من يسمع.

الاغتراب لا يقتل أحدا…

لكن الوحدة تفعل.

والسؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا:

كم امرأة أخرى ستصل إلى الحافة…

فقط لأنها لم تجد من يسمعها في الوقت المناسب؟

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email