ليس أصعب ما في الهزائم لحظة وقوعها، وإنما ما يليها.
في الخامس من يونيو 1967 خسرنا معركة، وأرضا غالية، وعاش المصريون واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخهم الحديث. لكن ما يشغلني كلما عادت الذكرى ليس ما جرى في ذلك اليوم وحده، بل ما جرى بعده.
كيف استيقظ الناس في صباح اليوم التالي؟
كيف أقنع الأب أبناءه بأن الوطن ما زال يستحق الأمل؟ وكيف تحملت أم شهيد ألمها وهي ترى الجميع يتحدثون عن الهزيمة؟
هذه الأسئلة ربما تكون أكثر أهمية من تفاصيل المعارك نفسها.
أحيانا أتخيل أن كل بيت في ذلك الوقت كان يعيش نسخته الخاصة من الصدمة، أخبار تتناقل بصوت منخفض، ووجوه لا تجد تفسيرا لما حدث، وإحساس ثقيل بأن شيئا أكبر من الجميع قد انكسر في لحظة واحدة. وربما لهذا السبب لم تكن الهزيمة حدثا عسكريا فقط، بل لحظة إنسانية خالصة دخلت كل بيت مصري دون استئذان.
فالهزيمة حدث يمكن تسجيله في كتاب تاريخ، أما أثرها في النفوس فلا تسجله الخرائط ولا تقارير القادة. هناك جيل كامل عاش مرارة الانكسار، ليس لأنه فقد أرضا فقط، بل لأنه رأى حلما كبيرا يتعرض لصدمة قاسية.
ومع ذلك، فإن ما يميز الشعوب ليس أنها لا تُهزم، بل أنها تعرف كيف تتعامل مع الهزيمة حين تقع.
بين يونيو 1967 وأكتوبر 1973 لم يكن المصريون يعيشون انتظارا سلبيا للنصر. كانت هناك مدن تُهجر، وأسر تتفرق، وجنود يتدربون، وضباط يعيدون بناء جيش كاد البعض يظن أنه انتهى. كانت تلك سنوات طويلة من العمل الصامت الذي لا يلتفت إليه كثيرون.
ولعل أعظم ما حدث بعد يونيو لم يكن إعادة بناء السلاح، بل إعادة بناء الثقة.
الثقة في أن ما ضاع يمكن أن يعود، وأن الأخطاء مهما كانت جسيمة لا تعني نهاية التاريخ، وأن الأوطان القوية لا تُقاس بلحظات انتصارها فقط، بل بقدرتها على الوقوف مجددا بعد السقوط.
لقد خسرت مصر أرضا في يونيو، لكنها لم تخسر إرادتها. ، ولم يفقد الجيش قدرته على القتال. وشعر الناس بالصدمة، لكنهم لم يفقدوا إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون مختلفا.
ولهذا لم يكن السادس من أكتوبر معجزة هبطت من السماء، بل كان ثمرة سنوات من الألم والعمل والصبر والمراجعة والتعلم.
إن قيمة الخامس من يونيو لا تكمن فقط في أنه ذكرى لهزيمة موجعة، بل في أنه يذكرنا بحقيقة إنسانية وسياسية مهمة: أن الأمم لا تُختبر عندما تنتصر، وإنما تُختبر عندما تسقط.
وفي كل مرة تعود فيها ذكرى يونيو، لا أتوقف أمام الأرض التي ضاعت بقدر ما أتوقف أمام الإنسان المصري نفسه، ذلك الإنسان الذي قد ينكسر لحظة، لكنه لا يتخلى عن فكرة النهوض، والذي يعرف كيف يحول الألم إلى بداية جديدة لا إلى نهاية.
كلما قرأت هذه اللحظة أشعر أن التاريخ لا يُكتب دفعة واحدة، بل يُعاد تشكيله في النفوس قبل أن يُسجل في الكتب.
ولعل هذه هي ملامح الخصوصية المصرية عبر التاريخ، بلد مر عليه احتلال وهزائم وتحولات كبرى، لكنه ظل دائما يعيد ترتيب نفسه من الداخل، وكأنه يتعلم البقاء من كل مرة يقترب فيها من السقوط.
وفي هذا المعنى لم يكن السادس من أكتوبر مجرد نصر عسكري، بل كان شهادة على أن ما انكسر في يونيو لم يكن الإرادة، بل كانت لحظة ارتباك فقط.
وربما لهذا السبب لا أقرأ الخامس من يونيو باعتباره يوم هزيمة فقط، بل باعتباره اليوم الذي بدأت فيه مصر، من جديد، تراجع نفسها وتستعيد طريقها نحو ما أرادته دائما… أن تبقى، قادرة على النهوض.