ربما حان الوقت اليوم لنسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا: متى كانت آخر مرة اهتمّ المجتمع بالرجل نفسيًا وإنسانيًا كما يهتم بالمرأة؟
فالرجل في كثير من الأحيان يُعامل وكأنه آلة مسؤوليات لا يحق لها التعب أو الانكسار، يُطلب منه أن يكون قويًا دائمًا، صامتًا دائمًا، قادرًا دائمًا، بينما يتم تجاهل احتياجاته النفسية والعاطفية بحجة أن “الرجل لا يضعف”، ومع تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، أصبح كثير من الرجال يعيشون في عزلة داخلية صامتة، لا يجدون فيها تقديرًا حقيقيًا أو دعمًا نفسيًا.
الاهتمام بالرجل لا يعني إلغاء حقوق المرأة، بل يعني إعادة التوازن الإنساني داخل الأسرة. فالرجل الذي يشعر بالاحترام والتقدير يتحول إلى مصدر أمان واستقرار، بينما الرجل المُهمَل نفسيًا قد يتحول إلى شخص فاقد للشغف والانتماء، حتى لو كان حاضرًا جسديًا داخل البيت.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تعيد للرجل قيمته الحقيقية، ليس باعتباره “سلطة”، بل باعتباره عمودًا نفسيًا وعاطفيًا للأسرة، يحتاج الرجل إلى أن يسمع كلمات التقدير، وأن يشعر أن مجهوده مرئي، وأن وجوده ليس مجرد التزام مادي، فكما تحتاج المرأة إلى الاحتواء، يحتاج الرجل أيضًا إلى الاحتواء ولكن بطريقة مختلفة؛ يحتاج إلى الاحترام، والثقة، والشعور بأنه قادر على الحماية والتأثير.
كما أن تربية الأبناء يجب أن تتغير، فالكثير من الأطفال اليوم ينشؤون على صورة مشوشة عن الرجولة؛ إما رجل ضعيف منزوع الدور، أو رجل قاسٍ متسلط، بينما النموذج الحقيقي للرجل هو من يجمع بين القوة والرحمة، الحزم والاحتواء، القيادة والإنسانية.
وعندما يعود الاهتمام بالرجل نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، ستعود الأسرة تدريجيًا إلى توازنها الطبيعي، لأن الأسرة ليست مشروعًا نسائيًا فقط، ولا مسؤولية ذكورية فقط، بل منظومة متكاملة إذا اختل فيها أحد الطرفين، اهتزّ البناء كله.
إن إنقاذ الأسرة الحديثة لن يحدث عبر القوانين فقط، ولا عبر الشعارات، بل عبر إعادة فهم العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها علاقة تكامل لا صراع، ورحمة لا منافسة، وسكن لا معركة إثبات وجود.
فالبيت الذي يشعر فيه الرجل بالتقدير، وتشعر فيه المرأة بالأمان، ينشأ فيه أطفال أكثر توازنًا، ومجتمع أكثر استقرارًا، وأمة أكثر قوة.
دكتورة رحاب الرحماوي