في كل مرة يُفتح فيها ملف الأحوال الشخصية في مصر، يبدو المشهد وكأنه إعادة تشغيل لصراع قديم لا يهدأ.
لكن هذه المرة، النقاش أكثر حساسية… لأنه يقترب من منطقة لا تحتمل الحسابات الباردة: الطفولة.
وربما لهذا يبدو المشهد مختلفا داخل كثير من بيوت ما بعد الانفصال؛ طفل يحمل حقيبته الصغيرة بين بيتين، لا يفهم معنى “النص القانوني”، لكنه يشعر جيدا بأي تغيير يقترب من عالمه الذي اعتاده.
مشروع قانون الأسرة الجديد أعاد فتح ملف الحضانة، ومعه عاد سؤال أكثر حدّة مما يبدو:
هل نحن بصدد تنظيم مصلحة الطفل… أم إعادة تعريفها؟
الاتجاه نحو تخفيض سن الحضانة لم يعد مجرد تعديل فني في مادة قانونية، بل تحول إلى عنوان لصراع أعمق حول معنى الرعاية ومن يملك حق تحديدها.
على الورق، تُقدم الفكرة باعتبارها “توازنا ” بين الأطراف، وإعادة ضبط لمسار طالما وُصف بأنه منحاز لطرف واحد.
لكن الواقع الاجتماعي لا يُقاس بهذه السهولة.
المقترح لا يبدو مجرد تنظيم للحضانة، بل يميل عمليا إلى تقليص مدتها لدى الأم، بما يعيد ترتيب موقعها داخل معادلة الرعاية في سن مبكرة لصالح أطراف أخرى.
لأن الحضانة ليست مجرد سن يُكتب في نص، بل هي سنوات تشكيل كاملة في حياة طفل، لا يتعامل فيها مع القانون، بل مع أثره المباشر على تفاصيل يومه.
وهنا لا تصبح القضية مجرد مسافة بين نص وواقع، بل اختبارا حقيقيا لقدرة التشريع على فهم أن الطفولة لا تُدار بالأرقام، ولا تُحسم بحدود زمنية جامدة.
ومن حيث الإطار القانوني القائم، فإن سن الحضانة ما زال مستقرًا عند 15 عاما وفق ما استقر عليه التطبيق التشريعي والقضائي، بينما يدور النقاش حول ما بعد هذه المرحلة وأشكال الرعاية البديلة.
لكن منطق التعديل لا يتعامل مع الحضانة باعتبارها حالة رعاية ممتدة، بقدر ما يعيد فتح النقاش حول توقيتها وحدودها الزمنية.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه ببساطة: هل معيار الحضانة يُقاس بالسن وحده؟ بالنسبة لي، الإجابة لا تبدو بهذه البساطة.
لأن المسألة أعمق من مجرد رقم، وتمتد إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي لطفل قد لا يفهم تفاصيل القانون، لكنه يشعر جيدًا بأي اهتزاز يطال عالمه الصغير.
شخصيا، لا أرى أن تخفيض سن الحضانة يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعديل قانوني عابر، لأن أثره الحقيقي لا يقع على الورق.. بل على طفل ما زال في مرحلة يحتاج فيها إلى الاستقرار قبل أي شيء آخر.
في التجارب الإنسانية، لا يظهر الطفل كـ“ملف قانوني”،
بل ككائن يتشكل على مهل، يتأثر بالبيئة، وبالاستمرارية، وبالإحساس بالأمان قبل أي شيء آخر.
ومع ذلك، يدخل النقاش العام غالبًا بمنطق قانوني حاد:
حقوق متقابلة، وصياغات دقيقة، ومعادلات تبدو متوازنة على الورق، لكنها أكثر تعقيدا في الواقع.
الأزمة الحقيقية ليست فقط في وجود تعديل،
بل في الخطر الكامن حين يُختزل مفهوم “مصلحة الطفل” في رقم.
وفكرة أن طفلا في التاسعة أصبح قادرا ببساطة على تحمّل كل هذه التحولات، تبدو بالنسبة لي شديدة القسوة، خصوصا أننا سمعنا من قبل خطابات كانت تتعامل مع الطفولة وكأنها مرحلة يمكن القفز فوقها سريعا ، بل وطرحت تصورات أكثر خطورة ارتبطت يوما بتبرير الزواج المبكر للفتيات تحت دعاوى “القدرة على التحمّل” و”النضج المبكر”.
بينما الحقيقة التي تؤكدها التجارب الإنسانية والدراسات النفسية، أن الطفولة ليست عبئا زمنيا يجب اختصاره، بل مرحلة تأسيس كاملة تتشكل فيها شخصية الإنسان وإحساسه الأول بالأمان والاستقرار.
لأن ما لا يقوله القانون دائما، أن الطفولة لا تعترف بالحدود الصارمة، ولا تتعامل مع التحولات باعتبارها تعديلات تشريعية، بل كتغييرات تمس إحساسها الأول بالأمان والاستقرار.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن ملف الأحوال الشخصية في مصر ظل لعقود مساحة جدل مفتوحة، تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية مع الاجتماعية والدينية والنفسية، دون أن يستقر على فلسفة واحدة واضحة الحسم.
لكن ما يطرحه مشروع القانون هذه المرة يتجاوز فكرة التنظيم، إلى محاولة إعادة صياغة التوازن داخل الأسرة بعد الانفصال.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:
هل التوازن المطلوب يعني دائما إعادة توزيع الأدوار؟
أم أنه احيانا يحتاج إلى حماية المساحة الأضعف داخل المعادلة، لا إعادة تقاسمها؟
اللافت أن النقاش العام يدور غالبا حول “الطرفين”،
بينما يظل الطرف الثالث—الطفل—هو الأكثر غيابا عن صراع الخطاب.
هو حاضر في كل الجمل… وغائب عن جوهر القرار.
وفي النهاية، يبقى الملف مفتوحا على أكثر من قراءة:
قراءة ترى في التعديل إصلاحا ضروريا تأخر كثيرا ،
وأخرى تخشى أن يتحول الإصلاح إلى إعادة إنتاج لمشكلات جديدة بصياغات مختلفة.
لكن بين هذا وذاك، تظل الحقيقة الثابتة:
أن قوانين الأسرة لا تُختبر في البرلمان.. بل في البيوت.
وحين تُكتب، لا يجب أن تُكتب كميزان بين أطراف متنازعة، بل كمسؤولية تجاه من لا يملك الدخول أصلًا في هذا النزاع:الطفل.