لم يكن الحديث عن الطاقة، في زمنٍ قريب، شأنًا يتداوله الجميع. كان أقرب إلى نقاشات مغلقة، تدور في دوائر المتخصصين، وتُصاغ بلغة لا يعرف مفاتيحها إلا أهلها. وكان يُنظر إلى قضايا الاستدامة وكأنها ترف فكري، أو موضوع يخص النخبة، بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
لكن ما نشهده اليوم يختلف جذريًا.
فقد خرجت الطاقة من نطاقها الضيق، وتقدمت إلى صدارة المشهد العام، لتصبح حديث الساعة، لا في الأروقة الفنية فقط، بل في الشارع، وفي البيوت، وعلى منصات الإعلام. لم يعد المواطن متلقيًا بعيدًا، بل أصبح طرفًا أصيلًا في معادلة الطاقة، يتأثر بها يوميًا، ويمارسها سلوكًا قبل أن تكون مفهومًا.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ.
فالتغيرات العالمية، والتوجهات الوطنية نحو الاستدامة، والتحديات الاقتصادية، جميعها دفعت بقضية الطاقة إلى واجهة الاهتمام العام. ومعها، بدأ الوعي يتشكل تدريجيًا، ليس فقط حول أهمية الطاقة، بل حول كيفية التعامل معها.
وهنا تكمن النقلة الأهم.
لم تعد الطاقة مجرد أرقام تُحسب، أو مشروعات تُنفذ، بل أصبحت ثقافة تُمارس. ثقافة في الاستهلاك، وفي الترشيد، وفي تقدير قيمة الموارد. فحين يطفئ مواطن مصباحًا لا يحتاجه، أو يحرص على كفاءة استهلاكه، فهو لا يقوم بفعل عابر، بل يشارك—دون أن يدري—في معادلة وطنية أكبر.
إنها لحظة تحول من “المعرفة” إلى “السلوك”، ومن “النقاش” إلى “الممارسة”.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام كأحد أهم الفاعلين في تشكيل هذا الوعي الجديد. فالميديا لم تعد ناقلًا للخبر فقط، بل أصبحت شريكًا في بناء ثقافة الطاقة، من خلال تبسيط المفاهيم، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية، وربط القضايا الكبرى بحياة الناس اليومية.
إن نشر ثقافة الطاقة لم يعد خيارًا، بل ضرورة.
ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، وتؤكدها أهداف التنمية، وتدعمها توجهات الدولة نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وكفاءة.
وإذا كانت الدول تُقاس بقدرتها على إدارة مواردها، فإن المجتمعات تُقاس بوعي أفرادها.
وفي مصر اليوم، يبدو أن هذا الوعي في طور التشكل…
حيث لم تعد الطاقة حديث المتخصصين فقط، بل أصبحت لغة مشتركة، يفهمها الجميع، ويشارك فيها الجميع.
وهنا تحديدًا، يبدأ الطريق الحقيقي نحو الاستدامة.