نحن بخير.. أو هكذا ندعي.. هناك نوع من البشر نصادفه كل صباح، يبتسم بوجهك، يرد تحيتك بأدب مبالغ فيه، بل وقد يلقي نكتة عابرة شديدة السخرية تجعلك تظنه أخف الناس ظلا، وكأن قلبه خال من الهموم ، لكن الحقيقة.. أن هذا الشخص بالذات يحمل في أعماقه ضجيجا يكفي لإخراس مدينة صاخبة بأكملها.. هؤلاء هم نحن، الذين أتقنوا فن الظهور بخير.
مبكرا، وقبل الأوان بكثير، أدركنا أن الشكوى نوعا من الرفاهية التي لا نملك ثمنها، وأن الحزن إذا خرج من الفم عاد إلينا في صورة نصائح محفوظة مكررة، أو مقارنة ظالمة، أو جملة “سخيفة” من نوع: “غيرك أسوأ منك بكتير”، لذلك اخترنا الصمت، لا قوة منا، بل توفيرا للطاقة، فالإنسان حين يكرر وجعه كثيرا، يتحول الوجع إلى موظف حاضر كل يوم، بلا إنتاج حقيقي.
الحقيقة.. نحن نبدو بخير ببساطة لأن الحياة -بكل قسوتها- لا تعترف بالإجازات المرضية للمتعبين نفسيا.. تستيقظ صباحا كل يوم، لترتطم بوجهك الحقيقة: الفواتير “يا للمفارقة” لا تحترم الحزن، والمدير لن يهمه أبدا أنك كنت تختنق بالأمس، العالم يطالبك بنسختك المرحة، وعليك أن تجهزها فورا، لذا عليك أن تغسل وجهك، وترتدي ملامح مناسبة، وتخرج لتؤدي دور الإنسان المستقر، في مسرحية لا تعرف متى تنتهي.
مع مرور الزمن، نصبح محترفين.. نضحك في الوقت المناسب، نهز رؤوسنا ونجيب عن السؤال المعتاد: الحمد لله كله تمام، بينما الداخل يشبه شقة قديمة سقطت منها بعض الجدران، لكن سكانها ما زالوا يستقبلون الضيوف في الصالة وكأن شيئا لم يحدث.
المشكلة التى نعانى منها أن الناس تصدق ما ترى، فمن يبتسم كثيرا لا بد أنه سعيد، ومن يعمل يوميا لا بد أنه قوي، ومن لا يتحدث عن ألمه لا بد أنه لا يتألم.. هكذا ببساطة يختصر العالم البشر في لقطات سريعة، كما يختصر بعضهم كتابا كاملا من عنوانه.
والحقيقة أن أكثر الناس تعبا هم أولئك الذين أتقنوا التماسك، لأن الانهيار الصريح يجد من يواسيه أحيانا، أما الانهيار المهذب، الذي يرتدي قميصا نظيفا ويقول للناس: لا شيء، فهذا يمر دون أن يراه أحد.
تعلمنا أيضا أن نؤجل أنفسنا.. نقول حين تهدأ الظروف سأرتاح، حين أُنهي هذا الشهر سأتنفس، لكن الظروف مثل طابور ال ATM يوم صرف المرتبات كلما ظننت أنه انتهى، اكتشفت أن هناك عشرين شخصا أخرين.
نحن الذين نبدو بخير لا نحتاج معجزة كبرى، ولا خطابا حماسيا عن الصبر.. نحتاج فقط مساحة آمنة نسقط فيها قليلا، دون أن يلتقط أحد لنا صورة تذكارية.. نحتاج شخصا يفهم أن عبارة أنا بخير قد تكون أحيانا أكثر الجمل حزنا في اللغة.
وربما يأتي يوم نتوقف فيه عن تمثيل القوة طوال الوقت، ونعترف أن الإنسان لا يقاس بقدرته على التحمل فقط، بل بقدرته على طلب النجدة أيضا.. عندها فقط، قد نصبح بخير فعلا، لا مجرد أشخاص يجيدون الظهور كذلك.