قراءة إنسانية في فكر ابن عطاء الله السكندري
بين صخب الحياة وضغوطها المستمرة، تبدو كلمة “العبودية” غريبة وربما صادمة. كيف يمكن للإنسان أن يسعى إلى العبودية، بينما الجميع ينادي بالحرية؟
لكن عند ابن عطاء الله السكندري، العبودية ليست قيدا، بل أعلى درجات التحرر.
فالإنسان غالبا عبد لشهواته، أو لصورة نفسه أمام الآخرين، أو لخوفه من فقدان شيء… وهذه قيود خفية تحكم حياته أكثر من أي سلطة خارجية.
التحرر الحقيقي، كما يوضح الصوفية، لا يكون بكسر كل القيود، بل باختيار القيد الذي ينقذك من نفسك.
العبودية لله ليست إذلالا، بل تحرر : لحظة سقوط الأوهام الكبرى — وهم السيطرة، وهم الاستحقاق، وهم القدرة على التحكم الكامل في كل شيء.
يقول ابن عطاء الله:
“أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.”
هذه دعوة صوفية للوعي، لتفهم أن القلق المستمر ليس دليل وعي، بل أحيانا دليل تعلق زائد بالوهم.
في مقام العبودية، يتغير مصدر الفعل:
الإنسان يفعل، لكن بلا غرور.
يسعى، لكن بلا توتر.
يحلم، لكن بلا أن يتحول الحلم إلى سجن يقيده.
أخطر ما يقيد الإنسان ليس الفقر ولا القهر، بل الأنا، تلك التي تُقنعه أنه مركز الكون، وأن كل ما يحدث يجب أن يدور حوله.
ومقام العبودية عند ابن عطاء الله السكندري هو عملية تفكيك هادئة لهذه الأنا: ليس عبر الصراع، بل بالإدراك؛ ليس بالقهر، بل بالتسليم.
في عصرنا الحديث، حيث السوشيال ميديا تلهينا بالظهور، والضغوط اليومية تجعلنا نركض وراء وهم السيطرة، يصبح مقام العبودية درسا انسانيا :
أن نقف لحظة، نترك السيطرة الزائدة، ونتحرر من عبء أنفسنا لنشعر بالحياة حقا.
في النهاية، لا يصبح العبد أقل شأنا ، بل أكثر اتساعا ، لأنه لم يعد محصورا في صراعاته الداخلية، بل أصبح يعي الحياة بعين القلب أكثر من عين العقل. ليس كل من ترك السيطرة خسر… بعضهم فقط نجا.