عندما تفاجئنا الشاشات الإخبارية بمشاهد الحروب بين الدول، وإطلاق الصواريخ، واشتداد النيران، وارتجاف الشعوب خوفا وفزعا… يهمس سؤال فى أذن كل جندى ومواطن.. هل الحرب مجرد عملية حسابية بين مكسب وخسارة؟ أم أنها فخ يسقط فيه الجميع تحت شعارات كبرى وعناوين براقة؟
في قاموس السياسة قد يعرف النصر بأنه توقيع ورقة أو فرض اتفاق، لكن في قاموس الواقع غالبا ما يكون النصر خسارة مؤجلة.
قد يتحقق المكسب في صورة نفوذ سياسى، أو توسع جغرافى، أو سيطرة على الموارد، لكننا كثيرا ما نتجاهل الثمن المدفوع ويتمثل فى جيل مشوه نفسيا.. أرواح تزهق بلا سبب.. أسر تتشرد.. وبنية تحتية تحتاج عقودا لإعادة إعمارها، وكراهية تتوارثها الأجيال لتصبح وقودا لحرب قادمة.
في الحروب لا يوجد منتصرون حقيقيون، بل مستويات مختلفة من الهزيمة.
نسمع كثيرا عن استرداد الأرض، لكن قلما يتحدث أحد عن خسائر الأراوح، عندما يتحول القتل من جريمة إلى واجب وطنى.
فالأرض التي يقاتل الناس من أجلها ستظل قائمة بعد ألف عام، لكن الإنسان الذي يفقد حياته في سبيلها لن يعود أبدا.
وإذا نظرنا بعمق إلى ما وراء الحروب، سنجد أن هناك أهدافا حقيقية تحرك تروس المدافع من خلف الستار.
فالمقصود أحيانًا ليس احتلال الأرض فقط، بل السيطرة على الممرات الاستراتيجية، والتحكم فى المضايق البحرية، وخطوط إمداد الغاز، ومنابع المياه.
كما تخلق مناطق عازلة تحمى مصالح دول كبرى على حساب سيادة دول أصغر، وقد تستخدم الحرب أحيانا لتأديب نظام سياسى أو شعب قرر الخروج عن دائرة النفوذ وكسر إرادة الهيمنة.
أما عن المكاسب، فهناك من يرى فى الأنقاض فرصا استثمارية، وفى أصوات المدافع موسيقى للأرباح.
شركات السلاح تنتعش أسهمها مع كل رصاصة تطلق، ومع كل جبهة تفتح.
لكن إذا نظرنا بالقلب قبل الحسابات، سنجد أن الحقيقة أبسط وأقسى..
لا يوجد رابح حقيقى فى الحرب.
حتى المنتصر عسكريا يعود بجيش من الأرواح المحطمة، وذاكرة مثقلة بالندم.
فالحرب في النهاية هي المزاد الوحيد الذي يدخله الجميع وهم يعلمون أنهم سيخرجون منه بجيوب فارغة من السلام… وقلوب مثقلة بالخسارة.