رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب: العاشر من رمضان… وتغيّر المعادلة

لم يكن العاشر من رمضان مجرد عملية عسكرية محكمة، ولا ضربة جوية ناجحة، ولا عبورا هندسيا مذهلا لقناة السويس.

كان قبل ذلك كله قرارا استراتيجيا بإعادة تشكيل الوعي.. فبعد عام 1967 لم تكن المشكلة في فقدان الأرض فقط، بل في اهتزاز اليقين. الهزيمة الكبرى لا تُقاس بعدد الكيلومترات المحتلة، بل بمساحة الشك التي تتسلل إلى النفوس. وهنا كانت المعركة الحقيقية: كيف تستعيد أمة ثقتها قبل أن تستعيد أرضها؟

أخبار متعلقة

القيادة التي خاضت حرب أكتوبر أدركت أن أي انتصار عسكري لا يسبقه بناء نفسي سيظل هشا. لذلك لم تكن سنوات الإعداد إعداد سلاح وخطط فحسب، بل إعادة هندسة عقل جماعي؛ تدريب مستمر، انضباط صارم، رسائل محسوبة، وإدارة دقيقة لإيقاع التوقعات. كان الهدف واضحا : كسر يقين الهزيمة قبل كسر خط الدفاع.

ثم جاءت لحظة المفاجأة.. المفاجأة في الاستراتيجية ليست عنصرا تكتيكيا عابرا، بل أداة لإرباك إدراك الخصم. حين تهاجم في توقيت لا يتوقعه أحد، فأنت لا تضرب قواته فقط، بل تضرب تصوره عنك. اختيار شهر رمضان لم يكن مجرد ظرف زمني، بل رسالة مركبة؛ أن الإرادة المنضبطة أقوى من الحسابات الباردة، وأن الصيام ليس ضعفا بل تعبير عن قدرة على ضبط القوة وتوجيهها.

في الساعة الثانية ظهرا ، لم تكن الطائرات تعبر القناة وحدها؛ كان يعبر معها حاجز نفسي امتد لسنوات. الضربة الجوية الأولى لم تُسقط مواقع فقط، بل أسقطت فرضية أن المبادأة حكر على الطرف الآخر.

إدارة المفاجأة لم تكن فعل لحظة، بل نتيجة صبر طويل. تمويه سياسي، تحركات دبلوماسية محسوبة، استعداد عسكري متدرج، وتوقيت دقيق. المفاجأة الناجحة لا تولد من الجرأة وحدها، بل من قدرة الدولة على الصمت حتى تكتمل عناصر القوة.

والأهم أن الانتصار لم يكن فعل فرد، بل نتاج منظومة. تكامل القرار السياسي مع التخطيط العسكري، وانسجام سلاح الجو مع الدفاع الجوي، وصلابة المشاة مع دقة سلاح المهندسين. في الحروب الحديثة لا ينتصر الأكثر صخبا، بل الأكثر تنظيما وانضباطا.

لقد قدم العاشر من رمضان درسا يتجاوز زمنه: أن استعادة الكرامة تبدأ من استعادة الثقة، وأن كسر يقين الهزيمة أخطر من كسر أي خط دفاع. فالأرض يمكن أن تُحتل، لكن الإرادة إذا انكسرت يصبح التحرير مستحيلًا.

ولذلك لم يكن العاشر من رمضان حدثا عابرا في سجل المعارك، بل نقطة تحول في ميزان الإدراك الاستراتيجي في المنطقة. أثبتت مصر أن المبادأة قرار سيادي، وأن الإرادة حين تُدار بعقل منظم تتحول إلى قوة تؤثر في معادلات الإقليم.

الدرس لم يكن في عبور قناة، بل في عبور حالة؛ من رد الفعل إلى الفعل، ومن الانتظار إلى المبادأة. ومنذ تلك اللحظة تغيرت قواعد الحساب: لم تعد مصر دولة تُختبر، بل دولة يُحسب حسابها.

وهذا هو جوهر الانتصار الحقيقي.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email