رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب : رمضان… وإعادة تعريف القوة

رمضان ليس شهرا عابرا في التقويم، ولا مجرد طقس تعبدي يتكرر كل عام.

رمضان حالة انتقال… من الضجيج إلى السكون، من التشتت إلى التركيز، من ثقل الجسد إلى خفة الروح.

أخبار متعلقة

في عالم يزدحم بالمطالب، ويُغرق الإنسان في سباق لا ينتهي، يأتي رمضان ليُعيد ترتيب الأولويات. فجأة يصبح الامتناع قوة، والصمت عبادة، والانتظار يقظة. يتحول الجوع من احتياج بيولوجي إلى رسالة أخلاقية، ويصبح العطش تدريبا على الصبر لا مجرد اختبار للتحمل.

رمضان لا يطلب منك أن تمتنع عن الطعام فحسب، بل أن تمتنع عن كل ما يثقل قلبك:

عن الغضب، عن الضجيج الداخلي، عن الردود المتسرعة، عن الاستهلاك المفرط للمشاعر والوقت.

هو شهر تُجرد فيه النفس من فائضها.

كل ما كنت تظنه ضرورة، يكتشف داخلك أنه قابل للاستغناء. وكل ما كنت تؤجله من مصالحة مع ذاتك يعود ليطرق الباب بهدوء.

ففي رمضان تتباطأ الإيقاعات.

الليل يطول، والسكينة تتمدد بين السحور والفجر، وبين الإفطار والمغرب مسافة تأمل لا تُقاس بالدقائق بل بالصفاء.

هناك تدرك أن القوة ليست في الامتلاك، بل في القدرة على التنازل. ليست في الرد، بل في الصمت الواعي. ليست في السيطرة على الآخرين، بل في ضبط النفس.

فهذا الشهر يعيد تعريف الانتصار.

والانتصار هنا ليس أن تغلب خصما ، بل أن تغلب عادة.

ليس أن تُسكت صوتا خارجيا، بل أن تُهدئ صخبك الداخلي.

في عالم يقيس القوة بما يُرى ويُسمع ويُفرض،

يأتي رمضان ليقلب المعادلة بهدوء.

القوة ليست في الصوت الأعلى، ولا في اليد الأشد، ولا في القدرة على فرض الإرادة على الآخرين.

القوة — كما يعيد رمضان تعريفها — هي القدرة على ضبط الإرادة حين تستطيع إطلاقها.

أن تجوع وأمامك الطعام… هذه قوة.

أن تعطيك اللحظة مبررا للغضب فتختار الحِلم… هذه قوة.

أن تكون قادرا على الرد، لكنك تؤثر الصمت الواعي… هذه قوة.

رمضان ليس موسم امتناع، بل موسم سيطرة.

ليس قهرا للجسد، بل تدريبا للنفس.

هو إعادة هندسة داخلية لمفهوم السلطة: من سلطة تُمارَس على الخارج، إلى سيادة تُمارَس على الداخل.

وهنا تتجلى فكرة الردع الداخلي.

الردع في معناه العميق هو منع الانحراف قبل وقوعه عبر وعي العواقب.

وفي رمضان، يتحول هذا المفهوم إلى منظومة أخلاقية داخلية؛

رقابة ذاتية لا تحتاج إلى شاهد، وضابط خفي يحرس النية قبل السلوك.

حين يمتنع الإنسان عن الخطأ لا خوفا من عقوبة، بل احتراما لقيمة،

ينتقل من الطاعة الظاهرية إلى الوعي الحقيقي.

رمضان يبني هذا الحارس الصامت في الداخل.

يجعل بينك وبين نزواتك مسافة تفكير،

وبين اندفاع اللحظة وحكم العقل فسحة تأمل.

هو شهر يُدربك على أن تقول “لا” لنفسك،

حتى تستطيع أن تقول “نعم” لما يستحق.

وهنا يصبح الصوم أكثر من عبادة زمنية؛

يصبح تمرينا على إدارة الرغبة،

وتقوية عضلة الانضباط،

وإعادة ترتيب الأولويات.

ومع نهاية الشهر، لا يكون المكسب الحقيقي عدد الأيام التي صُمناها،

بل مقدار السيادة التي استعدناها على ذواتنا.

رمضان ليس شهر ضعف منظم،

بل شهر قوة منضبطة.

ومن لا يملك نفسه… لن يملك قراره.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email