هناك لحظات لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة.
لا يمكن وصفها بالحزن، ولا بالفرح، ولا حتى بالقلق.
هي لحظات تمر بنا ونحن نؤدي حياتنا بشكل طبيعي: نتحرك، نتكلم، نبتسم أحيانًا… لكن شيئا ما في الداخل لا يستقر.
تحدث هذه الحالة فجأة، دون مقدمات واضحة.
قد تكون في مكان مألوف، أو أثناء حديث عابر، أو حتى في لحظة يُفترض أنها آمنة وهادئة. لا يرتبط الأمر بصدمة كبرى، ولا بحدث استثنائي، بل بتراكمات صغيرة، غير مرئية، لا تُسجل في الذاكرة كوقائع، لكنها تُحفر بعمق في الشعور.
المُربك في هذه اللحظات ليس الإحساس نفسه، بل عجزنا عن تسميته.
حين يُسأل الإنسان: “ما بك؟”
يجد نفسه يبحث في قاموسه الداخلي عن كلمة مناسبة… ولا يجد.
فيقول: “لا شيء”
ليس إنكارا، بل لأن اللغة تخونه.
نحن نعيش في عالم يُطالبنا دائمًا بالتفسير.
أن نعرف ماذا نشعر، ولماذا نشعر، وكيف سنتجاوز.
لكن هناك حالات لا تأتي وفق هذا النظام.
لا تبدأ بسبب واضح، ولا تنتهي بقرار.
هي فقط موجودة… تراقبنا من الداخل.
هذه المساحة الرمادية من المشاعر ليست مرضًا، ولا ضعفا، ولا خللا نفسيا.
هي نتيجة طبيعية لإنسان يفهم أكثر مما يحتمل، ويرى أكثر مما يُقال، ويشعر بما لا يجد له مخرجا.
هي حالة وعي زائد أحيانا ، وصمت طويل أحيانا أخرى.
الغريب أن هذه المشاعر لا تؤلم بالشكل المعتاد.
لا تُبكي، ولا تُنهك الجسد، لكنها تسرق الطمأنينة ببطء.
تجعل الإنسان حاضرًا جسديا … وغائبا ذهنيا.
مشاركا في الحياة… دون أن يكون مندمجا فيها بالكامل.
في هذه اللحظات، لا نحتاج نصائح، ولا محاضرات، ولا حلولا جاهزة.
نحتاج فقط إلى الاعتراف بأن ما نشعر به حقيقي، حتى لو لم نملك له اسما.
أن نقبل أن الحيرة مرحلة، وليست خللا.
وأن “عدم الفهم” ليس نقيض الوعي، بل أحد مراحله.
ربما أول خطوة للخروج من هذه الحالة
ليست البحث عن تفسير،
ولا محاولة الهروب منها،
بل التوقف عن محاكمتها.
فليس كل ما لا نعرف تسميته
غير موجود.
بعض الأشياء فقط
تحتاج وقتا
قبل أن تجد إسمها٠