رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب: بين الضوء والظل: أين تتحرك القرارات الحقيقية؟

في المؤسسات السياسية، لا يبدأ القرار دائمًا من المكتب الذي تتصدره اللافتة الرسمية، ولا من الجلسة التي تُرفع فيها الميكروفونات أمام الكاميرات. أحيانًا، يبدأ القرار الحقيقي من مساحة لا اسم لها، ولا جدول أعمال، ولا محضر جلسة. مساحة رمادية، يختلط فيها النفوذ بالفهم، والتأثير بالوعي، واللحظة بما هو أكبر من اللحظة.

 

أخبار متعلقة

القوة في صورتها التقليدية تحاول أن تقنعنا أن المنصب هو بداية كل شيء؛ أن السلطة تبدأ حيث يبدأ اللقب، وتنتهي حيث يسقط. لكن الواقع — بكل تعقيداته وسياقاته — يقدّم معادلة مختلفة: السلطة الرسمية تمنحك الحق في الكلام، لكن النفوذ غير المعلن هو الذي يمنحك القدرة على أن يسمعك الآخرون… حتى عندما لا تتكلم.

 

ليست كل المساحات الرمادية تهديدًا، كما أنها ليست بالضرورة امتدادًا للشرعية. ما يحدد معناها هو اتجاه الحركة: هل تتكامل مع البنية المؤسسية أم تعمل ضدها؟ هل تدعم القرار العام أم تصنع قرارًا موازيًا؟ هنا يكمن الفارق بين نفوذ يعزز قدرة الدولة على الفهم واتخاذ القرار، ونفوذ آخر يبتلع الدولة لصالح مصالح ضيقة تحت مسميات كبيرة.

 

والسؤال الذي يجب أن يُطرح، قبل تقييم هذه المساحات، ليس: “هل هي موجودة؟” لأن وجودها واقع لا يحتاج إلى إثبات. بل السؤال الحقيقي: كيف يمكن إدارتها دون أن تتحول إلى سلطة بديلة؟ وكيف يمكن أن تتحول من مصدر تهديد محتمل إلى رصيد معرفي يختصر الوقت ويمنع الكوارث؟

 

القوة التي تتحرك خارج الضوء ليست مؤامرة بطبيعتها، لكنها تحمل قابلية دائمة لأن تتحول إلى تهديد إذا غابت عنها الضوابط. في المقابل، يمكن أن تكون هي “الهواء القابل للتنفس” داخل مؤسسة تختنق بالإجراءات والتعقيدات. لا يمكن للقرار العام أن يعتمد على النص وحده، كما لا يمكن أن ينتصر بالظل وحده. المعادلة الحقيقية تقع بين الاثنين: ضوء يكشف الطريق، وظل يحميه من الانكسار.

 

والتحدي الآن — في مصر، وفي المنطقة — أن السياسة تتحرك أسرع من البنية التقليدية لإدارة القرار. ملفات الداخل لا تقبل الجمود، وملفات الإقليم لا تمنح أحدًا ترف الوقت. من هنا يصبح التعامل مع “المساحة الرمادية” ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة استراتيجية: أن نفهم أين تبدأ القوة خارج المنصب، وكيف يمكن أن نعيد توجيهها بدلًا من مطاردتها.

 

لأن السؤال لم يعد: من في الصورة؟ بل: من في القرار؟

ولم يعد: من يتكلم؟ بل: من يسمع الناس عندما يصمت؟

ولم يعد: من يملك اللقب؟ بل: من تحركت الأشياء معه… دونه أن يطالب؟

 

القوة التي تتحرك بين الضوء والظل ليست دائمًا خصمًا. الخطر الحقيقي ليس في وجودها… بل في تجاهلها.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email