رئيس مجلس الإدارة
مروة حسين

نائب رئيس مجلس الإدارة
م. ياسين الزيني

رئيس التحرير
ا. محمد صلاح

المدير التنفيذي
د. محمد زكريا

شيماء إبراهيم تكتب: حين تصبح المعرفة عبئا

من الغزالى إلى ابن عطاء .. لماذا ينهك الفهم بعض الناس؟

ليس كل من عرف ارتاح… بعضهم انكسر
في مسار الفكر الصوفي، لا تُقدم المعرفة باعتبارها غاية في ذاتها، بل باعتبارها امتحانا خفيا للإنسان فالمعرفة، حين تُنتزع من سياقها الإنساني، لا تمنح الطمأنينة بالضرورة، بل قد تتحول إلى عبء ثقيل لا يحتمله الجميع.
أبو حامد الغزالي لم يكن يبحث عن تراكم المعلومات، بقدر ما كان يبحث عن يقين يُنقذ الإنسان من التشظي الداخلي. ولهذا ميز بين علم يُقال وعلم يُعاش، وبين معرفة ترفع صاحبها، وأخرى تُثقله بأسئلة لا يملك لها إجابات جاهزة. فالعقل وحده، مهما بلغ، لا يكفي لحمل الحقيقة كاملة.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن طريق المعرفة عند الغزالي طريقا مريحا ، بل طريقا محفوفا بالقلق والمراجعة والانكسار المؤقت. فالفهم العميق لا يضيف للإنسان إجابات فقط، بل يسلبه أوهاما كان يتكئ عليها وحين تسقط الأوهام، لا يبقى سوى الذات عارية أمام أسئلتها الكبرى.
ويمتد هذا المعنى بوضوح في حكم ابن عطاء الله السكندري، الذي أدرك أن المعرفة قد تصبح حجابا إذا أورثت صاحبها شعورا بالتمايز أو الغرور، أو إذا حملته ما لا طاقة له به فليست المشكلة في المعرفة ذاتها، بل في قدرة القلب على احتمال تبعاتها.
وربما لهذا يشعر بعض الناس بأن الفهم عزلهم بدل أن يقربهم، وأن المعرفة التي وُعدوا بأنها نور، تحولت إلى عبء لا يشاركه أحد فكل درجة وعي أعلى، تقطع مسافة ما مع البساطة الأولى، وتضع الإنسان في منطقة وسطى: لا هو جاهل فيستريح، ولا هو واصل فيطمئن.
الصوفية لم تمجد الجهل، لكنها حذرت من المعرفة التي لا يصاحبها تواضع، ولا يخففها إدراك حدود النفس البشرية فليس كل كشف نعمة، ولا كل فهم اصطفاء فبعض الفهم امتحان، وبعض العلم مسؤولية ثقيلة، لا يقدر عليها إلا من تصالح مع ضعفه قبل قوته.
لهذا، حين نتأمل مسار الغزالي وابن عطاء، نفهم أن الراحة لا تأتي من كثرة ما نعرف، بل من صدق علاقتنا بما نعرفه وأن المعرفة الحقة لا تُقاس بقدرتها على الإدهاش، بل بقدرتها على تهذيب الداخل، حتى لا يتحول الفهم إلى عبء، ولا يصبح النور نارا.

أخبار متعلقة

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email