لا يقدم فيلم «فنزويلا» رواية درامية عن دولة مأزومة بقدر ما يقدّم توثيقًا سياسيًا غير مباشر لتحوّل جوهري في طبيعة النظام الدولي. ما يحدث فعليًا هو إعادة تعريف مفهوم الدولة ذات السيادة، وتحويل بعض الدول إلى ملفات طاقة استراتيجية تُفتح وتُغلق وفق احتياجات القوى الكبرى، لا وفق قواعد القانون الدولي.
تم هذا التحوّل تدريجيًا عبر تآكل مفهوم النظام العالمي متعدد الأطراف، واستبداله بمنطق الصفقات. لم يعد الالتزام بالقانون الدولي سابقًا على القرار السياسي، بل أصبح نتيجة لاحقة له إن اقتضت المصلحة. القوة هي التي تُنتج الشرعية، لا العكس.
السياسة تُدار بمنطق البترول، وتُراجع الأخلاق على هامش السوق، وتُعاد صياغة المواقف وفق تدفق الطاقة لا وفق القيم المعلنة.
نحن أمام لحظة دولية فارقة تشكّلت ملامحها بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، ومع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وعودة التنافس الدولي على الموارد والممرات البحرية. الصراعات لم تعد تُدار بالسلاح فقط، بل بسلاسل الإمداد والطاقة.
ورغم أن مسرح الفيلم هو فنزويلا، إلا أن الجغرافيا الحقيقية أوسع بكثير، تمتد من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، مرورًا بالبحر الأحمر وباب المندب.
فنزويلا هنا ليست دولة بعيدة، بل احتياطيًا استراتيجيًا مؤجل الاستخدام، يُعاد توظيفه عند الحاجة لإعادة ضبط سوق الطاقة أو تخفيف أزمات أخرى.
الفيلم يفرض سؤالًا استراتيجيًا لا أخلاقيًا: هل ما زال العالم يُدار بالقيم أم بالمصالح؟ الإجابة صريحة: من لا يمتلك أدوات القوة الشاملة، يصبح بندًا تفاوضيًا.
«فنزويلا» ليس فيلمًا عن دولة، بل إنذار مبكر لعالم يُدار بمنطق المصالح الصلبة، حيث الحكمة بلا قوة ردع لا تحمي، والشرعية بلا توازن قوة لا تصمد.